
أعلنت المفوضية الأوروبية، الأربعاء، عن "الحزمة الرقمية الشاملة"، وهي مبادرة تشريعية واسعة تقول إنها تهدف إلى "تبسيط القوانين الرقمية وتعزيز القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي". تفتح الحزمة، التي تُعدّ من أكثر ملفات التكنولوجيا حساسية خلال السنوات الأخيرة، فصلاً جديداً في مسار إعادة تشكيل القواعد الرقمية داخل الاتحاد الأوروبي، بيد أنّها أثارت في الوقت نفسه عاصفة انتقادات حادة من منظمات الحقوق الرقمية وخبراء الخصوصية وحماية البيانات.
وعلى الرغم من قول المفوضية إن الإجراءات الجديدة لن تمسّ بحقوق المواطنين والمستهلكين، حذّرت منظمة العفو الدولية في بيانٍ وصلت إلى "العربي الجديد" نسخة منه، الأربعاء، من أن المسار الجديد "سيؤدي إلى إضعاف حقوق الناس وتعريضهم لاضطهاد رقمي".
وأوضح أن الحزمة الجديدة ستفتح الباب أمام المراقبة غير القانونية والتمييز الخوارزمي في الرعاية الاجتماعية والشرطة والعمل، وتجريد الأفراد من الحق في التحكم ببياناتهم والاعتراض على القرارات الآلية. وتأكيداً لذلك، يصف البيان المقترحات الأوروبية بأنها انحياز واضح لـ"المصلحة التجارية على حساب حقوق الإنسان".
وفي 13 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي، صدرت من بروكسل رسالة مفتوحة، وقّع عليها تحالف يضم 127 منظمة ونقابة أوروبية، حذّرت من أن الحزمة الرقمية الشاملة "ستمثل أكبر تراجع في الحقوق الرقمية في تاريخ الاتحاد الأوروبي"، مشيرةً إلى أن القوانين التي تتم إعادة فتحها أو تعديلها، مثل قانون حماية البيانات الأوروبية (GDPR) وقانون الذكاء الاصطناعي وقانون الخدمات الرقمية وقانون الأسواق الرقمية، تشكّل الإطار الذي يحمي الأفراد من إساءة استخدام البيانات ومن التحكّم الخوارزمي بالفرص والعمل والخدمات العامة.
وأشار تحليل رقمي نشرته منصة ديغ ووتش إلى أن تبسيط هذه القوانين ليس إجراءً إدارياً بريئاً كما تقدمه المفوضية، موضحةً أن الحزمة الرابعة من حزم التبسيط التشريعي التي أطلقتها المفوضية تستهدف تحديداً التشريعات المتعلقة بالبيانات والتتبّع الإلكتروني والذكاء الاصطناعي، بما في ذلك جهود تعديل قانون حماية البيانات الأوروبية وتخفيف قواعد الخصوصية الإلكترونية وتعديل آليات الإبلاغ عن الانتهاكات السيبرانية.
ولفتت "ديغ ووتش" إلى أن "التبسيط" أصبح جزءاً من أجندة أوسع لإرضاء الشركات والقطاعات الصناعية التي ترى أن الاتحاد الأوروبي مثقل بـ"البيروقراطية التنظيمية".
لكن الأخطر، وفق المنصة، هو المسودة المسرّبة المتعلقة بالتعديلات على قانون حماية البيانات الأوروبية التي تكشف عن اتجاهات جوهرية قد تغيّر طبيعة حماية البيانات داخل الاتحاد، ومن أبرزها: إعادة تعريف البيانات الشخصية بصورة أضيق مما هي عليه اليوم، ما قد يُخرج بيانات الاستدلال والتحليل الخوارزمي من التصنيف الحساس والسماح بمعالجة البيانات لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي استناداً إلى "المصلحة المشروعة" للشركات من دون الحاجة إلى الموافقة المسبقة. إضافةً إلى تعديلات تجعل من الصعب على الأفراد ممارسة حق الوصول إلى بياناتهم أو الاعتراض على استخدامها ضدهم.
وحذّرت المنظمات الحقوقية من أن هذه التغييرات ستخلق بيئة يمكن فيها تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي على صور وأصوات وبيانات المستخدمين من دون إذن واضح منهم.
وتنقسم دول الاتحاد الأوروبي في الموقف من فتح قانون حماية البيانات الأوروبية، ففي حين ترفض فرنسا والنمسا وسلوفينيا وإستونيا تماماً إعادة مناقشة القانون، تدعو فنلندا والتشيك وبولندا إلى تعديلات محدودة، بينما تؤيد ألمانيا توجهاً أوسع لإعادة صياغته بالكامل.
في المقابل، ترى المفوضية الأوروبية أن تخفيف الأعباء الإدارية على الشركات، خصوصاً الشركات الصغيرة والمتوسطة، ضرورة استراتيجية للحفاظ على تنافسية القارة. من جهتها، أكّدت رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، في خطاب سابق أمام جهات اقتصادية ألمانية داعمة لمصالح الشركات الكبرى، أن "التبسيط هو السبيل الوحيد للبقاء في المنافسة العالمية". أما منظمات الحقوق الرقمية، فتؤكّد أن تعزيز الاقتصاد لا يمكن أن يحدث على حساب خصوصية المواطنين، وأن تفريغ القوانين من مضمونها سيقوّض المكانة التي بنى عليها الاتحاد الأوروبي سمعته الدولية قوةً مدافعة عن الحقوق الرقمية.
واختتم بيان منظمة العفو الدولية بالتأكيد أن "المجتمع الرقمي الآمن لا يتأسس عبر تقليل الضوابط، بل عبر تطبيقها وإنفاذها". ومع بدء مرحلة تنفيذ الحزمة الرقمية الشاملة، تعيش أوروبا لحظة دقيقة في مسار التحول الرقمي، لحظة تتجاور فيها طموحات الابتكار مع مخاوف حقيقية من تآكل الحقوق الفردية.
وبينما تُفتح الأبواب أمام نماذج الذكاء الاصطناعي لاستخدام بيانات ملايين المستخدمين، يتشبث المدافعون عن الخصوصية بفكرة أن التقدم التكنولوجي لا يجب أن يُبنى فوق حساب الإنسان، بل إلى جانبه حتى لا تفقد القارة إرثها الأخلاقي الأبرز الذي طالما تميّزت به: حماية الإنسان في العالم الرقمي